المراسل عزيز كروج لجريدة “الأنباء 24”
بين وعود المسؤولين وجع التلاميذ، يستمر البعد الجغرافي في سرقة أحلام أطفال “نواحي أكذال” بمدينة وجدة، في مشهد يجسد معاناة يومية قاسية. ففي هذا الحي الذي تعلو فيه ضحكات الأطفال، يتحول الطريق إلى المدرسة كل صباح إلى كابوس حقيقي، حيث لم يعد البعد مجرد عائق لوجستي، بل صار سبباً رئيسياً للهدر المدرس وتهديداً مباشراً لمستقبل جيل بأكمله نتيجة غياب التخطيط العمراني العادل.
تتجلى المشكلة الأولى في أزمة المواصلات؛ ففي ظل غياب حافلات النقل المدرسي أو خطوط النقل العمومي الكافية، يجد الأهالي أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: إما تحمل تكاليف باهظة للنقل الخاص، أو ترك أبنائهم يواجهون مخاطر الشوارع سيراً على الأقدام. ويزداد الطين بلة مع اعتماد “الساعة الإضافية” (توقيت غرينتش +1)، التي أزمت كل المجالات وأثبتت أن سلبياتها تفوق إيجابياتها بكثير، حيث يُجبر التلاميذ على الاستيقاظ في جنح الظلام قبل الفجر لقطع مسافات طويلة، والعودة في وقت متأخر يقتل طفولتهم ويحرمهم من الراحة والاستذكار، مما يطرح تساؤلاً ملحاً حول عدم اعتماد “التوقيت المستمر” لتقليص الفجوة الزمنية المرهقة بين الفترتين.
وعندما يصل التلميذ أخيراً بعد رحلة عناء، يصطدم بواقع “الاكتظاظ” الرهيب داخل الفصول الدراسية، مما يحول المدرسة من بيئة جاذبة للعلم إلى بيئة طاردة تقتل جودة التعليم وتشتت تركيز المتعلم المتعب أصلاً، ليكون الفشل الدراسي أو الانقطاع عن الدراسة هو النتيجة الحتمية. وأمام هذا الوضع، يوجه سكان “أكذال” صرخة استغاثة متسائلين عن دور وزارة التربية الوطنية، والجماعة الترابية لوجدة، والأكاديمية الجهوية، وعن مصير الوعود التي تتبخر مع كل دخول مدرسي جديد.
كما لم يسلم المنتخبون من عتاب الأهالي المرير، حيث تساءل السكان عن دور من منحوهم أصواتهم في الترافع عن هذه القضية داخل المجالس، وعن غياب الدور الرقابي للتفتيشية التعليمية في رصد ظاهرة الهدر بالحي. ويصل الغضب مداه بالتساؤل عما إذا كانت تعليمات جلالة الملك محمد السادس، التي شددت مراراً على ضرورة تقليص الهدر المدرسي وتوفير تعليم جيد للجميع، قد ضربت عرض الحائط من قبل المسؤولين المحليين الذين يكتفون بلغة الأرقام داخل المكاتب المكيفة بعيداً عن واقع الأطفال الذين يقطعون الكيلومترات تحت المطر والبرد.
إن النداء الموجه اليوم لكل من وزارة التربية الوطنية، وعمالة وجدة، والمجلس الجماعي، هو ضرورة النزول إلى الميدان ومعاينة مأساة أطفال “أكذال” قبل فوات الأوان، فالوقت ينفد وأحلام هؤلاء الصغار تذبح يومياً بسكين الإهمال والبعد الجغرافي، بينما ينتظر الجميع تدخلاً حازماً ينقذ ما يمكن إنقاذه ويعيد للمدرسة هيبتها وللطفل حقه في التعلم بكرامة.




