تُعد المقولة المأثورة للملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه: “الوطني يفكر في الأجيال القادمة والسياسي يفكر في الانتخابات القادمة”، منارة فكرية تُضيء الفارق الجوهري بين نهجين مختلفين في خدمة الأوطان والمجتمعات. إنها ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي دعوة للتأمل في الدوافع الحقيقية وراء اتخاذ القرارات، وتحديد الأولويات في مسيرة بناء الدول.
الوطني، في جوهر هذه المقولة، هو ذلك الفاعل الذي يتجاوز حدود الزمن الحاضر، وينظر بعين ثاقبة إلى الأفق البعيد. هو من يحمل على عاتقه مسؤولية بناء أساسات قوية ومستدامة يستفيد منها الأبناء والأحفاد. قراراته لا تتأثر بالصخب الآني أو المكاسب السريعة، بل تُبنى على رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق الازدهار على المدى الطويل. يهتم الوطني بتطوير التعليم، البنية التحتية، الاقتصاد المستدام، وتعزيز القيم الثقافية والاجتماعية التي تصقل هوية الأمة. هو كالمزارع الذي يغرس الشجرة، لا ليأكل ثمرها في نفس اليوم، بل ليضمن ظلها وثمارها للأجيال القادمة
على النقيض، يصور الحسن الثاني السياسي الذي يركز على الانتخابات القادمة كشخصية محكومة بضغوط المدى القصير. قراراته غالبًا ما تكون مدفوعة بالرغبة في كسب تأييد الناخبين الحاليين، مما قد يؤدي إلى تفضيل الحلول السريعة والشعبوية على حساب المصالح الوطنية العليا والمستقبلية. قد ينخرط هذا السياسي في وعود لا يمكن تحقيقها، أو مشاريع مؤقتة تهدف إلى إبهار الرأي العام دون ترك أثر دائم. إن تركيزه على النجاح الانتخابي يجعله أسير الحاضر، غير قادر على التخطيط لمستقبل تتطلب رؤية وطنية بعيدة المدى.
توازن ضروري لمستقبل مستدام
لا شك أن السياسة هي فن الممكن، وأن العمل السياسي يقتضي التفاعل مع الواقع والتعاطي مع متطلبات الحاضر. ومع ذلك، فإن المقولة تؤكد على ضرورة تجاوز هذا الإطار الضيق نحو فكر أكثر شمولية. إن النجاح الحقيقي للدولة والمجتمع يكمن في إيجاد توازن بين الضرورات السياسية الآنية والطموحات الوطنية طويلة الأمد. يجب أن يسعى السياسي إلى أن يكون وطنيًا في جوهره، وأن يدمج رؤية الأجيال القادمة ضمن أجندته الانتخابية.
إن هذه المقولة الخالدة للملك الحسن الثاني تظل صالحة لكل زمان ومكان، فهي تذكرنا دائمًا بأن قادة الأوطان الحقيقيين هم أولئك الذين يضعون نصب أعينهم بناء مستقبل مزدهر ومستقر، تاركين إرثًا يُعتز به للأجيال التي لم تولد بعد.




