الأنباء 24 بواسطة المراسل عزيز كروج .
لم يكن اجتماع سائقي سيارات الأجرة بوجدة، يوم 20 أبريل، مجرد لقاء مهني روتيني. كان واحدًا من تلك اللحظات النادرة التي يُعاد فيها ترتيب الأوراق، ليس فقط على طاولة النقاش، بل داخل النفوس أيضًا. لحظة انكسر فيها سؤال القيادة على صخرة الواقع، ليكشف عن وجه غير تقليدي: امرأة تقف في قلب فضاء ظل لعقود حكرًا على الرجال، لا لتُزيّن الصورة، بل لتُدير العجلة وتُغير مجرى الحوار.

وسط زحام المطالب وضجيج الشكاوى، برزت السيدة نصيرة بنيوال، رئيسة المنظمة المغربية لأصدقاء مرضى السكري، ليس كضيفة عابرة، بل كـ”سلطة هادئة لكنها صلبة”. سلطة لا تفرض نفسها بالصوت العالي، بل بالحضور الثابت، وبقدرة نادرة على تحويل فوضى الاحتجاج إلى نقاش منتج، وتحويل الغضب إلى كلمات يمكن البناء عليها.
ما حدث كان استثنائيًا. فبأمانة نادرة، فتح المهنيون قلوبهم وتحدثوا عن سنوات من الضغط المتراكم: غلاء المعيشة، اضطرابات دعم المحروقات، دخل هش لا يسمح بالتنفس، ومهنة لا تعرف التوقف. كان الحوار مكشوفًا، صادقًا، وأحيانًا حادًا، لكنه ظل في حدود الاحترام. وكأن الجميع أدرك، بغريزة جماعية، أنهم أمام لحظة مختلفة، أمام شخص جاء ليصغي قبل أن يُصدر أحكامًا.
وهنا بدأت ملامح القيادة الحقيقية تتشكل. لم تتعامل نصيرة بنيوال مع تلك الكلمات على أنها مجرد شكاوى عابرة، بل باعتبارها وثيقة حية تعكس معاناة يومية. كانت تصغي باهتمام الجادين، لا بمجاملة الضيوف. تلتقط التفاصيل الصغيرة التي تختبئ خلف العبارات الكبيرة، ثم تعيد صياغتها في خطاب لا يكتفي بتهدئة النفوس، بل يدفع نحو الفهم، ثم نحو الحلول.

لم تكن المرأة هنا مجرد “حاضنة” للألم، بل كانت عقلًا منظمًا يعيد تشكيل الألم نفسه. لم يكن سرّ قوتها في مواجهة الأصوات المرتفعة، بل في قدرتها على ضبط إيقاع النقاش، وصهره في مسار واحد: تحويل المعاناة الفردية إلى همّ جماعي، بدل أن تبقى مجرد تذمر متناثر في الهواء.
بل إن الأهم كان ذلك الإدراك الصامت الذي يسري في أرجاء القاعة: إنهم أمام لحظة ثقة مختلفة. فئة مهنية، بكل ثقل معاناتها اليومية، تفتح أبوابها لامرأة تقود الحوار، وتصغي، وتنظّم، وتعيد التوجيه. هذه ليست تفصيلة ثانوية، بل علامة فارقة في مفهوم الثقة الاجتماعية: حين يُسند القيادة إلى من أثبت أنه قادر على الفهم العميق قبل إصدار التوجيهات.
صحيح أن النقاش تطرق إلى إكراهات ملموسة، من دعم المحروقات إلى جمود التعريفة، لكن اللافت لم يكن فقط محتوى الشكاوى، بل كيف تحولت، تحت إدارتها، من خطاب احتجاجي إلى مادة للتفكير الجماعي. وهنا تتجلى القوة الحقيقية للقيادة النسائية عندما تبلغ مرحلة النضج: لا تلغي الأصوات، بل تعيد تركيبها؛ لا تقمع الغضب، بل تحوله إلى أسئلة مفتوحة للنقاش العام.
في العمق، كان المشهد أكبر من مجرد لقاء مهني. كان إعلانًا صامتًا عن ولادة شكل جديد من الشراكة: شراكة لا تقوم على المجاملات، بل على الاعتراف الخالص بالكفاءة. شراكة تُسند فيها المهام ليس على أساس الانتماء التقليدي، بل على أساس القدرة على الإنصات، وامتصاص التوتر، وتحويله إلى رؤية عملية.
وهكذا، لم تعد المرأة في هذا السياق مجرد فاعل ثانوي، بل أصبحت قلب الثقة. ثقة لا تُمنح هبة، بل تُكتسب خطوة بخطوة، بالحضور المتماسك، وبالقدرة على استيعاب ما لا يُقال بقدر ما يُقال. لذلك، كان معنى المشهد أعمق من مجرد “امرأة تشارك في تأطير نقاش”: إنه إعادة تعريف لمن يمكنه أن يحمل مهمة صنع التوازن في ملفات اجتماعية بالغة الحساسية.
لقاء وجدة، في خلاصته، كشف أن قوة المرأة لا تقف عند حدود كسر الصورة النمطية، بل تمتد إلى إعادة بناء صورة جديدة للقيادة ذاتها: قيادة تنصت دون أن تضعف، تحاور دون أن تفقد البوصلة، وتجمع بين الحزم وعمق الفهم في آنٍ واحد.
وهنا فقط يصبح المعنى أكبر من لقاء، وأوسع من نقاش: إنه نقلة نوعية في الوعي الجماعي، حيث تتحول المرأة من استثناء في المشهد إلى ركن أساسي فيه، ومن حضور يحتاج إلى تفسير، إلى قيادة يُعوّل عليها، ويُعقد معها التحالف لأنها، ببساطة، أثبتت أنها ليست على الهامش.. بل في صلب المعادلة.




