الأنباء 24 بواسطة المراسل عزيز كروج.
في كل مرة، تعود الجالية المغربية المقيمة بالخارج إلى أرض الوطن، حاملة معها شوقًا طال انتظاره لرؤية العائلة ونسيم الوطن. لكن فرحة العودة سرعان ما تتحول إلى مرارة بالنسبة لكثيرين، ليس بسبب الحرارة أو البرد أو الزحام، بل بسبب موعدهم مع “إدارة الجمارك” التي حولت قضاء الأغراض البسيطة إلى معاناة حقيقية.
في مشهد يتكرر يوميًا، تجد أبناء الجالية أنفسهم عالقين بين أبواب الإدارة لساعات وأيام، ليس لقضاء عطلتهم، بل لإنهاء إجراءات كانت تظن أنها ستستغرق ساعات فقط. قضاء يوم أو يومين في الإدارة أصبح “ترفًا” لا يستطيع المواطن تحمله في ظل عطلة قصيرة يقضيها بين الأهل والأحبة.
المثير للسخرية أن الأعذار تتكرر، وكأنها نسخ ملصقة على معاناة الجميع. فحين يسأل المواطن عن سبب التأخير في استكمال إجراءات تعشير سيارته، تطل عليه الإجابة الجاهزة: “الكود لم يصل”، أو “عذرًا هناك مشكل في الـريزو (الاتصال) بين الأنظمة”، أو “الكونيكسي (الاتصال الإلكتروني) مقطوع”.
إنها مبررات صارت قنبلة موقوتة في وجه الجالية، التي لم تأت إلى المغرب لتسمع عن أعطال تقنية لا تنتهي، ولا لتعيش رحلة عذاب بين شبابيك الإدارة. الأغرب من ذلك أن المواطن يكتشف أن المشكلة ليست في أوراقه، بل داخل الإدارة ذاتها، في انقطاع تنسيق أو عطب تقني لا يُصلح إلا بعد أيام، بينما هو هناك يقف خاسرًا أغلى ما يملك: وقت عطلته.
يتفاجأ المواطنون بأنه حين تتعطل الأمور، لا يجدون من يتحمل المسؤولية. فالإدارة العامة لم تجب، والجهات المعنية تتبادل التهم، فيما يبقى المواطن “عالقًا” في حلقة مفرغة: يذهب صباحًا، يُطرد مساءً، ويعود مجددًا صباح اليوم التالي، وقد التهمت الإدارة من عمر إجازته ما لا يمكن تعويضه.
الأدهى من ذلك أن المعاناة لا تتوقف عند حدود إدارة واحدة. فثمة مشكلة أخرى لا تقل تعقيدًا، تتعلق بانعدام التنسيق بين مركز تسجيل السيارات وإدارة الجمارك المختصة في تعشير السيارات. وكأن المواطن يدفع ثمن غياب التواصل بين مؤسستين، في الوقت الذي كان يفترض أن تعملا كفريق واحد لخدمته، وليس لتعطيله.
ما يزيد الشعور بالإحباط أن كل هذا يحدث في وقت لا تزال فيه كلمات الخطاب الملكي السامي تتردد في الأذهان، حين شدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، على ضرورة تسهيل مأمورية الجالية المغربية وتقريب الإدارة من المواطن. لكن ما يحدث على أرض الواقع في هذه الإدارات يبدو وكأنه ينسف كل تلك التوجيها
فالجالية المغربية تأتي إلى البلاد لقضاء العطلة، وليس لقضائها في دهاليز الإدارة. وإذا كان من المفترض أن تشعر الدولة بفخر بعودة أبنائها، فكيف يتحول هذا الفخر إلى شعور بالإهانة حين يُستَهْتَر بوقت المواطن؟
إن معاناة الجالية مع إدارة الجمارك في ملف تعشير السيارات لم تعد مجرد شكاوى فردية، بل أصبحت ظاهرة تستدعي تدخلًا فوريًا من الجهات المختصة. فالتأخير في الخدمات ليس مجرد إرباك للإجراءات، بل هو استنزاف لحق المواطن في قضاء عطلته مع أسرته.
نناشد الجهات المختصة التدخل لتقصي ما يحدث داخل هذه الإدارة، ووضع حد لهذا العبث الذي يُفقد المواطن الثقة في المؤسسات. آن الأوان لتحسين جودة الخدمات، وإنهاء ثقافة “الريزو والكونيكسي” التي أصبحت شماعة لتبرير فشل إداري لا يمكن السكوت عنه.
فالمغرب الذي يستعد لاستقبال أبنائه المقيمين بالخارج باستحقاق، قادرٌ بلا شك على أن يقدم لهم نموذجًا مشرفًا في التبسيط الإداري والاحترام المتبادل. ما دمنا نطمح إلى إدارة قريبة من المواطن، فعلينا أن نبدأ بإنهاء “عطلة الإدارة” التي لا تنتهي على حساب عطلة الجالية المغربية




