غلاء تذاكر السفر يحاصر مغاربة العالم.. حين يتحول حق العودة إلى عبء مالي

هيئة التحرير7 سبتمبر 2026آخر تحديث :
غلاء تذاكر السفر يحاصر مغاربة العالم.. حين يتحول حق العودة إلى عبء مالي

 

لم يعد ارتفاع أسعار تذاكر النقل البحري والجوي بالنسبة إلى مغاربة العالم مجرد مسألة تجارية مرتبطة بالعرض والطلب، بل أصبح إشكالا اجتماعيا وحقوقيا يستوجب نقاشا جديا حول حدود الارتفاع الموسمي للأسعار، ومسؤولية الجهات المختصة في حماية المستهلك وضمان شروط عادلة ومعقولة للتنقل والعودة إلى الوطن.

فمع كل موسم صيف وعطلة، تجد آلاف الأسر المغربية المقيمة بالخارج نفسها أمام أسعار مرتفعة بشكل لافت، سواء عبر الرحلات الجوية أو البحرية، خصوصا بالنسبة إلى العائلات التي تسافر بأطفالها أو بسياراتها. وقد بلغ هذا الإشكال المؤسسة التشريعية، حيث أثيرت مسألة ارتفاع أسعار النقل البحري والجوي وتأثيرها على زيارات أفراد الجالية المغربية، في ظل ما تشكله هذه الكلفة من عبء على عدد من الأسر الراغبة في زيارة وطنها.

وتكشف المعطيات المتداولة خلال موسم 2026 حجم العبء المالي الذي قد تواجهه بعض الأسر. ففي عدد من الرحلات بين مدن أوروبية والمغرب خلال ذروة الموسم الصيفي، قد تصل كلفة السفر لأسرة من أربعة أفراد إلى مبالغ مرتفعة جدا، تختلف باختلاف الشركة وموعد الحجز والخدمات المختارة، فيما ترتفع كلفة الرحلات البحرية بدورها بالنسبة إلى الأسر المسافرة بسياراتها.

إن مغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام في مواسم العبور، ولا ينبغي التعامل معهم باعتبارهم سوقا موسمية قابلة لاستنزاف قدرتهم الشرائية كلما ارتفع الطلب.

هؤلاء مواطنون تربطهم بوطنهم روابط أسرية واجتماعية وثقافية واقتصادية عميقة، وزيارتهم للمغرب ليست دائما رحلة سياحية يمكن الاستغناء عنها، بل قد تكون لزيارة الوالدين، وصلة الرحم، وحضور مناسبات عائلية، وقضاء مصالح شخصية وإدارية، وربط أبنائهم وأحفادهم بوطنهم وهويتهم.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى العناية السامية التي ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يوليها للمغاربة المقيمين بالخارج، وحرص جلالته على صيانة حقوقهم ومصالحهم وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم. وقد شكلت قضايا مغاربة العالم وحماية مصالحهم وتحسين الخدمات الموجهة إليهم محورا متكررا في التوجيهات الملكية، بما يؤكد أن العناية بهذه الفئة ليست مسألة ظرفية مرتبطة بموسم العبور، وإنما خيار وطني ومؤسساتي مستمر.

ومن هذا المنطلق، فإن تيسير ارتباط مغاربة العالم بوطنهم ينبغي ألا يقتصر على جودة الاستقبال عند وصولهم، بل يجب أن يمتد إلى مختلف الظروف المرتبطة برحلتهم، وفي مقدمتها كلفة النقل ومدى توفر خيارات حقيقية ومتنافسة تمكن الأسر من زيارة وطنها دون أعباء مالية مفرطة.

كما أن لهذه المسألة بعدا حقوقيا واضحا. فالمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقر حق كل فرد في حرية التنقل، كما تنص على حقه في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إليه. ويؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في مادته 12، أنه لا يجوز حرمان أحد تعسفا من حق الدخول إلى بلده.

وإذا كانت هذه المقتضيات لا تعني قانونا أن الدولة ملزمة بتحديد سعر تجاري بعينه لتذاكر السفر، فإنها تؤكد القيمة الحقوقية الأساسية لحرية التنقل والعودة إلى الوطن، وتدعم ضرورة توفير بيئة تنظيمية واقتصادية لا تتحول فيها الكلفة المفرطة أو الممارسات غير التنافسية إلى عائق فعلي أمام ممارسة هذا الحق، خاصة بالنسبة إلى الأسر.

وعلى المستوى الوطني، يكرس الفصل 24 من دستور المملكة المغربية حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه والخروج منه والعودة إليه، وفقا للقانون. وهو ما يمنح مسألة تنقل المواطنين، بمن فيهم المغاربة المقيمون بالخارج، بعدا دستوريا ينبغي استحضاره إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية والتجارية.

ومن هنا يبرز سؤال المسؤولية: إلى متى ستظل كلفة التنقل نحو الوطن ترتفع بشكل يثقل كاهل الأسر خلال مواسم الذروة، دون إيجاد آليات أكثر فعالية لتعزيز المنافسة والشفافية وحماية المستهلك؟

وفي مقابل المجهودات المؤسساتية المبذولة لتيسير استقبال مغاربة العالم ومواكبتهم خلال عملية مرحبا 2026، فإن جودة الاستقبال لا ينبغي أن تبدأ عند الموانئ والمطارات فقط، بل يجب أن تواكب مختلف مراحل رحلة المواطن نحو وطنه، بما في ذلك العمل على توفير شروط نقل معقولة تحفظ كرامته ولا تستنزف ميزانيته.

ومن منظور حقوقي، فإن المطلوب ليس التدخل الاعتباطي في النشاط التجاري للشركات أو المساس بحرية المنافسة، وإنما تفعيل مسؤولية السلطات والمؤسسات المختصة في المراقبة، وتعزيز المنافسة الحقيقية، وضمان الشفافية في الأسعار، والتصدي لأي ممارسات تجارية غير سليمة متى ثبتت، والبحث عن حلول عملية خلال فترات الذروة.

كما أن حماية المستهلك تمثل جزءا أساسيا من هذه المعادلة، بما يقتضي وضوح الأسعار والرسوم والخدمات الإضافية، وتمكين المسافر من معرفة الكلفة الحقيقية قبل إتمام عملية الشراء، والتصدي لأي ممارسة من شأنها الإضرار بحقوقه الاقتصادية أو الحد من قدرته على الاختيار بين عروض تنافسية حقيقية.

واستمرار المشكلة سنة بعد أخرى يفرض تجاوز منطق التدبير الموسمي نحو سياسة عمومية واضحة ومستدامة لفائدة مغاربة العالم، تقوم على تشجيع المنافسة الفعلية في الخطوط الجوية والبحرية، ودراسة الآليات القانونية الممكنة للتخفيف من حدة الارتفاع الاستثنائي للأسعار، وتشجيع عروض مناسبة للعائلات، وتعزيز الرقابة على الرسوم والخدمات الإضافية التي ترفع السعر النهائي للتذكرة.

إن ارتباط مغاربة العالم بوطنهم لا ينبغي أن يتحول إلى فرصة تجارية لاستنزاف قدرتهم الشرائية.

والأخطر أن استمرار ارتفاع كلفة العودة قد لا يؤثر فقط على الجيل الأول والثاني من المغاربة المقيمين بالخارج، بل قد يدفع الأجيال الجديدة المولودة في بلدان الإقامة تدريجيا إلى تقليص زياراتها للمغرب واختيار وجهات أخرى أقل تكلفة، بما قد يؤثر على صلتها بوطنها الأم وعلى الروابط الأسرية والثقافية التي تجمعها به.

وعليه، فإن المنظمة الدولية لحقوق الإنسان والحريات تدعو الجهات الحكومية والرقابية المختصة إلى فتح نقاش جدي ومسؤول حول أسعار النقل الجوي والبحري الموجه إلى مغاربة العالم، ودراسة بنيتها وتطورها خلال مواسم الذروة، واتخاذ التدابير الكفيلة بتعزيز المنافسة والشفافية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

كما تدعو المنظمة شركات النقل الجوي والبحري إلى استحضار مسؤوليتها الاجتماعية، وعدم اختزال علاقتها بمغاربة العالم في منطق الربح الموسمي، والعمل على اعتماد سياسات تسعير أكثر توازنا، تراعي خصوصية هذه الفئة وحجم ارتباطها الأسري والاجتماعي والاقتصادي بوطنها.

مغاربة العالم لا يطلبون امتيازا، بل يتطلعون إلى أسعار معقولة، ومنافسة حقيقية، وشفافية أكبر، وإمكانية العودة إلى وطنهم دون أن تتحول الرحلة إلى استنزاف مالي.

وحين يصبح ثمن الوصول إلى الوطن حاجزا بين المواطن وأسرته وبلده، فإن الصمت عن المشكلة لم يعد حلا، ومعالجتها أصبحت مسؤولية تستوجب إرادة واضحة ومساءلة مؤسساتية جادة، بما ينسجم مع العناية الملكية السامية بمغاربة العالم، ومع الضمانات الدستورية والحقوقية المرتبطة بحرية التنقل والعودة إلى الوطن.

هشام ورقية
الأمين العام
#المنظمة الدولية لحقوق الإنسان والحريات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة