لم تكد تمحى من الذاكرة السياسية المغربية أصداء “الزلزال السياسي” الذي عصف بوزراء في حكومة سعد الدين العثماني إثر تعثر مشاريع “الحسيمة منارة المتوسط”، حتى استيقظ المغاربة على وقع صدمة جديدة لا تقل فظاعة، لكنها هذه المرة تمس جيوبهم ومشاعرهم الدينية مباشرة. أزمة أضاحي العيد الأخيرة تحولت إلى قضية رأي عام متفجرة، يرى فيها الكثيرون وجهاً آخر للتقصير التدبيري الذي يقتضي تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعد أن وجدت ملايين الأسر نفسها ضحية لـ “مثلث المعاناة” المشكل من غلاء فاحش، وتغول لعصابات “الشناقة” (الوسطاء)، وغياب تام للتواصل الحكومي.
“أين كبش العيد؟”.. سؤال بسيط في مبناه، مرعب في معناه، تردد كصدمة مدوية في أسابيع ما قبل العيد واستمرت تداعياته المرة إلى ما بعده. تحول هذا التساؤل إلى الشغل الشاغل للمغاربة، متصدراً الأحاديث على الموائد، وفي المقاهي، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، كاشفاً عن حالة طوارئ غير معلنة عاشتها العائلات المغربية. وتؤكد المؤشرات أن حوالي 25% من الأسر واجهت صعوبات بالغة وغير مسبوقة في تأمين الأضحية، بين من اضطر للاستدانة وكسر مدخراته، وبين من فرضت عليه الظروف القاسية التخلي عن شعيرة دينية متجذرة في الوجدان الشعبي.
المفارقة الصارخة في هذه الأزمة تجلت في الفجوة الواسعة بين “لغة الأرقام الرسمية” و”واقع الأسواق”. فقبل أسابيع من المناسبة، خرجت الجهات الوصية بتطمينات تؤكد وفرة العرض، مستندة إلى إحصاء رسمي أعلن عن جاهزية أزيد من 9 ملايين رأس من الأغنام والماعز، وهو رقم يتجاوز بكثير الاحتياط الوطني الفعلي للاستهلاك الذي لا يتعدى في أقصى الحالات 5.5 مليون رأس. هذا الفائض النظري المريح، كان يفترض أن يضمن استقرار الأسعار ويسد الطريق أمام أي احتكار، غير أن الواقع صدم الجميع بخصاص حاد واشتعال غير مسبوق في الأسعار، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول دقة تلك الإحصائيات أو المسارات التي اتخذتها تلك القطعان.
وأمام هذا الاحتقان الشعبي، اختارت حكومة عزيز أخنوش نهج سياسة “الكرسي الفارغ” تواصلّياً، حيث ساد صمت رهيب ومطبق من طرف المكونات الحكومية المعنية بشكل مباشر. فلم يخرج رئيس الحكومة لتهدئة الرأي العام، ولم يقدم الناطق الرسمي باسمها تفسيراً مقنعاً، في وقت غاب فيه وزيرا الداخلية والفلاحة عن تقديم إجابات واضحة تشفي غليل مواطنين تركوا لمواجهة جشع الوسطاء والمضاربين في أسواق عشوائية افتقدت للمراقبة الصارمة.
إن هذا الصمت الحكومي الرهيب أمام التلاعب بمشاعر وقدرة المواطنين الشرائية، أثار موجة غضب عارمة عبر الصحافة الوطنية والمنصات الرقمية. ولم يعد الأمر مجرد نقاش عابر حول غلاء الأسعار، بل تحول إلى مطالبة شعبية صريحة بعدم التساهل مع ما حدث، وإخضاع كافة المتورطين والمسؤولين عن هذا الفشل التدبيري للمساءلة والمحاسبة، على غرار المحطات السابقة التي شهدت غضبات حاسمة ضد التقصير، لإعادة الاعتبار للمواطن وحماية السلم الاجتماعي من جشع “الشناقة” وتهاون المسؤولين.




