تشهد العلاقات المغربية الفرنسية منعطفاً تاريخياً حاسماً، حيث تستعد العاصمتان الرباط وباريس لتوقيع اتفاقية استراتيجية شاملة وجديدة كلياً، تأتي لتوجّج ديناميكية إيجابية غير مسبوقة في مسار التعاون الثنائي. هذا التقارب المتسارع، الذي ينظر إليه المراقبون بوصفه خطوة نوعية لترسيخ مرحلة متقدمة من العمل المشترك، يأتي امتداداً طبيعياً للموقف الفرنسي التاريخي المتمثل في الاعتراف بسيادة المغرب الكاملة على صحرائه، وهو التحول الذي أعاد صياغة التوازنات الدبلوماسية وأسس لأرضية صلبة من الثقة المتبادلة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الاتفاقية المرتقبة لن تكون مجرد تفاهمات عابرة، بل هي رؤية مستقبلية عابرة للأجيال تمتد لتغطية الثلاثين سنة القادمة. وتكمن قوة هذه الشراكة في شموليتها، إذ من المتوقع أن تشمل أبعاداً سياسية، واقتصادية، وأمنية، وثقافية متطورة، مما يجعلها إطاراً هيكلياً يضمن مصالح البلدين الحيوية في عالم دائم التغير، ويؤهل الطرفين لقيادة محور استقرار وتنمية يربط بين القارتين الأوروبية والإفريقية.
ولعل أبرز ما يميز هذه الاتفاقية الجديدة ويمنحها بعداً تاريخياً استثنائياً، هو الشجاعة السياسية في فتح بعض الملفات التاريخية الحساسة المتعلقة بالفترة الاستعمارية. وتتجه الأنظار بشكل خاص نحو البند المتعلق بإتاحة الوصول إلى الأرشيفات الفرنسية المرتبطة بالمناطق الحدودية الشرقية للمملكة، وهي خطوة تعكس رغبة صادقة من الجانبين في قراءة التاريخ بوضوح وموضوعية، وتصفية أي رواسب ماضية لبناء مستقبل قائم على الوضوح الكامل والاعتراف بالحقوق التاريخية.
وفي هذا السياق المفعم بالتفاؤل، ينتظر أن يتوج هذا المسار الدبلوماسي الرفيع بزيارة رسمية يقوم بها جلالة الملك محمد السادس إلى باريس في الفترة القريبة القادمة، حيث سيشرف جلالته رفقة الرئاسة الفرنسية على توقيع هذا الاتفاق الإستراتيجي الشامل. إن هذا اللقاء المرتقب لا يمثل فقط تدشيناً لعهد جديد من العلاقات الثنائية، بل يبعث برسالة قوية إلى المنتظم الدولي مفادها أن الشراكة بين الرباط وباريس قد دخلت طور النضج الإستراتيجي، القائم على الندّية، والمصالح المشتركة، والاحترام الكامل للثوابت الوطنية.




