تتجلى عظمة العطاء الإنساني حينما تلتقي الإرادات الصادقة وراء ستار التواضع، بعيداً عن أضواء الشهرة ومنصات التباهي، وهذا بالضبط ما نلمسه في مسار قادمتين من شرق المملكة المغربية، شقتا طريقهما في قطاعين متباينين ظاهرياً، لكنهما انصهرتا في بوتقة هدف نبيل واحد. فبين أروقة القضاء المليئة بالصرامة، وبين فضاءات الشباب المفعمة بالحيوية، برز اسم الأستاذة كريمة الإدريسي، وكيلة الملك بجرادة، والدكتورة ناجية النور، المديرة الجهوية لقطاع الشباب، كنموذج استثنائي للمرأة المغربية المجاهدة التي تجعل من منصبها وسيلة للتغيير لا غاية للوجاهة.
إن المتأمل في مسار هاتين الشخصيتين يدرك أن الاختلاف بين قطاع العدل وقطاع الشباب قد ذاب أمام قوة الإيمان بقضايا المرأة والطفولة. فقد نجحت الأستاذة الإدريسي، من خلال قيادتها للخلية القضائية، في تحويل القضاء من مجرد نصوص قانونية جافة إلى حضن دافئ للمظلومين، بينما استطاعت الدكتورة النور أن تجعل من قطاع الشباب منصة حقيقية للإدماج والتنمية. لقد أثبتت التجربة الميدانية، والشواهد الحية التي واكبها المجتمع، أن العمل المشترك بينهما تجاوز الحدود الإدارية؛ فأصبح الهم الشاغل هو رفع الحيف عن المرأة المعنفة، وحماية الطفولة من الضياع، وإيجاد حلول واقعية تخرج الفئات الهشة من دائرة التهميش إلى فضاء الكرامة.
ما يثير الإعجاب حقاً هو ذاك “العمل في الخفاء” الذي تنتهجه هاته القائدتان، فبالرغم من النتائج الملموسة والإحصائيات التي تؤكد تراجع حدة العنف وتحسن مؤشرات الإدماج، إلا أنهما آثرتا دائماً البقاء بعيداً عن بهرجة الإعلام، مكتفيتين بصدى النجاح في عيون الأمهات وابتسامات الأطفال. إن هذا التوأم في العمل الاجتماعي يجسد المفهوم الحقيقي للمسؤولية كأمانة أخلاقية، حيث لم يعد الفرق موجوداً بين صرامة القانون في المحكمة وبين ليونة التأطير في دور الشباب، طالما أن الغاية هي حماية نسيج المجتمع وبناء مستقبل تسوده العدالة والمساواة.
ختاماً، يبقى الاحترام اللامحدود هو أقل ما يمكن تقديمه لهاتين السيدتين اللتين تجاوزتا كل التوقعات والمعايير المهنية التقليدية. فبصمتهما في شرق المملكة ستظل محفورة في ذاكرة كل من استفاد من تدخلهما الإنساني، وستبقى جهودهما شاهدة على أن النضال الحقيقي هو الذي يترك أثراً في النفوس قبل الأوراق. شكراً للدكتورة ناجية النور وللأستاذة كريمة الإدريسي، فعملكما الذي رفضتما إظهاره للعيان، صار اليوم منارة يحتذى بها في نبل الرسالة وعمق العطاء، ويكفيكما فخراً أنكما مكرمتان بجميل الأثر وصدق الدعوات.




