في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي المغربي، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الصحافة، لا سيما بعد إصدار قوانين جديدة يرى البعض أنها عشوائية وتُقصي شريحة أساسية من العاملين في الحقل الإعلامي. يجد المراسلون، الذين يُعدون القلب النابض للعمل الصحفي الميداني، أنفسهم اليوم في مواجهة تحدٍ وجودي يهدد استقرارهم المهني ومستقبلهم.
المراسلون: ركيزة لا غنى عنها
لا يمكن للعمل الصحفي المهني أن يتم بمعزل عن جهود فريق متكامل. المراسل هو حلقة الوصل الأساسية بين الحدث والجمهور. فكما لا يمكن للقائد أن يعمل دون أعوان سلطة، هل يستطيع الصحفي أن يغطي الأحداث الكبرى والمشاريع التنموية الضخمة دون شبكة قوية من المراسلين الميدانيين؟ إن إقصاء هذه الفئة هو بمثابة إضعاف للجسد الصحفي برمته، وتجريد له من قدرته على نقل الصورة الكاملة والدقيقة للواقع. يهدد هذا الإقصاء بتقليص مساحة التغطية الميدانية ويحد من قدرة الصحافة على الوصول إلى المعلومة من مصادرها الأصلية.
إذا كان الهدف من هذه القوانين هو “تنقية” الجسم الصحفي، كما يُقال، فإن هناك حلولًا أكثر فعالية وإنصافًا من الإقصاء. يمكن للمجلس الوطني للصحافة أن يعيد النظر في هذه الإجراءات، ويستبدلها بسياسات بناءة ومبتكرة تهدف إلى الارتقاء بالمهنة بدلًا من تهميش جزء حيوي منها. من بين هذه الحلول المقترحة:
* إنشاء معاهد متخصصة لتكوين المراسلين: بدلًا من إقصاء المراسلين، يمكن الاستثمار في تطوير مهاراتهم عبر دورات تكوينية متخصصة تضمن احترافيتهم وتؤهلهم للعمل وفق المعايير المهنية المطلوبة.
* الاعتراف بأقدمية المراسلين: يجب أن تؤخذ سنوات الخبرة الطويلة التي قضاها العديد من المراسلين في الميدان بعين الاعتبار، وأن تُمنح لهم الأولوية في التأهيل المهني والاعتراف الرسمي.
* تشديد الرقابة على المنابر الإعلامية: يجب فرض عقوبات صارمة على المؤسسات الإعلامية التي تمنح بطاقات المراسلين بشكل عشوائي لمن لا يستحقونها، وهذا يضمن أن البطاقات تُمنح فقط للمهنيين الحقيقيين ويساهم في تنظيم المهنة.
المغرب مقبل على استضافة تظاهرات كبرى وإطلاق أوراش تنموية ضخمة، وهي مرحلة حساسة تتطلب تحسين الجسم الإعلامي وتوحيد صفوفه، لا تصفية الحسابات وإضعافه. إن إقصاء المراسلين سيعيق عمل الصحافة المهنية، ويقلل من قدرتها على تنوير الرأي العام وتغطية هذه الأحداث بكفاءة، مما يؤثر سلبًا على شفافية المشهد الإعلامي وجودة المحتوى المقدم للجمهور.
لذلك، فإن الدعوة موجهة إلى الجهات المعنية للتدخل الفوري وإعادة النظر في هذه القوانين. إن مستقبل الإعلام في المغرب يتوقف على قدرتنا على احتضان جميع كفاءاته وتطويرها، وليس إقصائها. فهل يختار المغرب مسار احتضان وتطوير كفاءاته الإعلامية، أم يستمر في نهج قد يؤدي إلى إقصاء جزء لا يتجزأ من جسده الصحفي؟
بقلم: عزيز كروج




