عرفت المسلسلات التاريخية نجاحا باهرا على شاشات التلفزيونات العربية والمغربية، حيث حققت مشاهدات كبيرة من مختلف شرائح المجتمع العربي بالرغم من مستوياتها الفكرية والاجتماعية المتعددة والمتباينة. فهذه المسلسلات التاريخية قد اعتمدت في بنائها على عملية التشويق المستمر الذي يجعل من الأحداث تسير وفق تسلسل تاريخي مبني على الصراع الدرامي، ومؤسس على خلفياته، كما أنها اعتمدت على المادة التاريخية المتوفرة لها، وحاولت صياغتها بشكل فني درامي يجعل من قصص الحب والحرب بؤرتها الأساسية المفضلة. كما أنها قد اعتمدت أيضا في بعض المسلسلات التاريخية على محاولة تقديم التاريخ العربي الإسلامي “من منطلق التعريف بتراث الأمة العربية، والشخصيات التاريخية الفاعلة في هذا التاريخ. ومن ثمة، فقد استطاعت أن تشتغل على طبيعة العلاقات المغربية المشرقية خاصة. وأن تمیز وتحقق تأثيرا قويا على المتلقنين/ المشاهدين بشكل فکري وفني متميز.
تحول البعد التاریخي إلى تخييل فني تاريخي، واستفاد حتما من عملية بنائه، وتشکیل أحداثه وشخوصه من التاریخ، لکنه منح لذاته حرية مسؤولة في هذا التعامل باعتباره فنا يرتكز في هويته الأساسية على إبداع محكي تلفزيوني متكامل العناصر، ومتجانس المنطلق والمنتهى، هدفه الأساس هو تقديم قصة تاريخية في قالب تلفزيوني، أو في بعض الأحيان تقديم قصة تلفزيونية ذات مرجعية تاريخية، وليس تقديم قصة تاريخية فحسب. وذلك تبعا لنوعية المادة التاريخية المشتغل عليها، وعلى دراسة بعض المسلسلات التلفزيونية التي تسير في هذا الاتجاه. متوقفا عند بعض أهم العلاقات المشرقية المغربية الکبری التی تطرحها التيمات، وفي مقدمتها تیمة المحبة الإنسانية، وتيمة الحوار الحضاري مع الذات، ومع الأخر في أسمی تجلیاتهما الکبری.
هکذا سنری، ونحن نسعی للاقتراب من الفن التلفزيوني في علاقته بالبعد التاريخي العلائقي، خصوصا وقد فضلت التطرق إلى هذه العلاقة الترابطية/التناصية من خلال بعض الأفلام والمسلسلات الدرامية التلفزيونية العربية، المغربية والمشرقية، التي تسير تبعا للخط التاريخي الروائي، حيث وقع اختياري على مسلسلات وأفلام تاريخية استحضرت بعض من نماذج العلاقات المغربية المشرقية في كل من المسلسلات : “علی هامش السیرة” لأحمد طنطاوي، و “عمر بن عبد العزیز” لأحمد توفيق. و”صلاح الدين الأيوبي” لحاتم علي، و “عبد الرحمان المجذوب” لمخرجته فريدة بورقية . أما الأفلام: “عمر المختار” إخراج لمصطفى العقاد ، و”تراب الغرباء” لسمير ذكرى، و”أحلام المدينة”، و”الليل” لمحمد ملص، و”الترحال” لريمون بطرس، و”وقائع سنوات الجمر”، و”رياح الأوراس” للخضر حمينا، و”أبواق الصمت” لعمار العسري.
كانت المسلسلات التاريخية الدينية التي قدمها التلفزيون المصري، باعتبار أسبقيته الزمنية في المجال الإعلامي التلفزيوني الفني ناجحة، فقد كان التأليف الفني لها قويا، كما كانت عملية إخراجها قوية والممثلون الذين شاركوا فيها من عمالقة الفن التلفزیوني المصري، والعربي والمغربي. یمکن الوقوف، علی سبیل المثال، للتدلیل علی کلامنا ھذا عند المسلسل التاریخی الدیني “علی هامش السیرة” المقتبس عن کتاب “علی هامش السيرة” للكاتب طه حسين. حيث امتد نجاحه التلفزيوني إلى مختلف البلدان العربية: وهو مسلسل تلفزیوني مصري أنتج عام 1978م، وهو من إخراج أحمد طنطاوي، ومساهمة كل من فؤاد عبد الجليل (مخرج منفذ). في حين كتبت له السيناريو والحوار الأستاذة أمينة الصاوي، وتشكل طاقم المسلسل من أحمد مظهر وشکري سرحان، وزهرة العلا وصلاح منصور وغيرهم.
اعتمد ھذا المسلسل التاریخی الدینی علی كتاب “على هامش السيرة” لعميد الأدب العربي طه حسين، وحاول أن يقدم السيرة النبوية بطريقة فنية قوية. وقد تحقق له ذلك من خلال النجاح الكبير الذي أحرزه في مختلف الشاشات التلفزيونية العربية والمغربية التي عرض بها، ويبقى دليلا ساطعا لحد الآن على نجاح مثل هذه المسلسلات الدينية التاريخية التي تكتب بإتقان وتخرج وتجسد بإتقان. كما نجد أيضا مسلسلات دينية تاريخية أخرى كتبت وقدمت حول بعض أهم الشخصيات القوية في تاريخ الإسلام، مثل المسلسل الديني التلفزيوني القوي حول شخصية عمر بن عبد العزیز.
إن مسلسل “عمر بن عبد العزیز” مسلسل تاريخي ديني مصري يجسد شخصية الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز المشهور بالصلاح والعدل، والذي لقب أحيانا بـ خامس الخلفاء الراشدين. وقد لعب دور البطولة فيه الممثل نور الشريف، وهو من تأليف عبد السلام أمين، ومن إخراج أحمد توفيق. حقق هذا المسلسل التلفزيوني نجاحا كبيرا، لأن السيناريو الذي اعتمد عليه قد كتب بحرفية قوية، كما أن عملية الإخراج كانت محكمة، وقد تميز تشخيص الممثلين بالقدرة على تقديم الشخصيات بطريقة فنية أصيلة، وفي مقدمة هؤلاء الممثلين النجم نور الشريف الذي أبدع كعادته في تشخيص الشخصية المسندة إليه، وهي شخصية الخليفة عمر بن عبد العزيز.
الأمر نفسه يمكن قوله عن مسلسل “صلاح الدين الأيوبي”، وهو مسلسل تاريخي يتناول الأحداث السياسية في القرن الرابع الهجري في منطقة الشام ومصر التي كانت مسرحا للحروب الصليبية. يركز المسلسل على سيرة صلاح الدين الأيوبي، ويبرز شجاعته وحسن خلقه وحنکته کما یحاکي کیف استطاع توحید المسلمين وسحق الصليبيين في معركة “حطين الشهيرة”، واستعادة القدس بعد أن تم انتزاعها من الصلیبین منذ قرابة المئة عام. المسلسل يقدم الرواية التاريخية من وجهة نظر إسلامية، ويبتعد عن المساحات الشائكة بين السنة والشيعة، حيث يمتنع عن التطرق لتوجه الدولة الفاطمية الإسماعيلي الشيعي، والفرق بينه وبين “السلطنة الزنكية” التابعة للخلافة العباسية السنية سواء في العقيدة أو الممارسات.
يتكون هذا المسلسل من ثلاثين حلقة، وهو يبدأ من ولادة البطل، ويستمر عرض الأحداث في تتابع زمني مع التعرض للخيوط الأخرى المكملة للقصة، والمرتبطة بالفترة التاريخية. وقد جسد دور البطولة فيه الممثل جمال سليمان الذي تقمص شخصية صلاح الدين الأيوبي، وأجاد في عملية
بقلم د.عزيز زروقي




