بين إرث الأعيان ومنطق المقاولة السياسية : قراءة سوسيولوجية في بنية النخبة بالجهة الشرقية وأثرها على التنمية

هيئة التحرير25 أبريل 2026آخر تحديث :
بين إرث الأعيان ومنطق المقاولة السياسية : قراءة سوسيولوجية في بنية النخبة بالجهة الشرقية وأثرها على التنمية

يشهد المشهد السياسي بالجهة الشرقية تداخلاً معقداً بين أنماط متعددة من النخب،تتقاطع فيها الاعتبارات السوسيولوجية والاقتصادية مع رهانات السلطة والتنمية.

وفي ظل هذا التشابك، يبرز نموذجان مهيمنان : ” النخبة التقليدية ” ذات الامتداد العائلي والقبلي،و” النخبة الرأسمالية ” التي تتعامل مع السياسة بمنطق استثماري صرف.

ويهدف هذا التحليل إلى تفكيك البنية العميقة لهذين النموذجين،واستجلاء انعكاساتهما على الفعل التنموي والسلوك السياسي للمجتمع.

النخبة التقليدية.. السياسة كامتداد للقرابة وإعادة إنتاج الولاء :

تُظهر المقاربة السوسيولوجية أن ما يُعرف محلياً بـ” الأعيان ” لا يمثل مجرد فاعلين سياسيين عابرين، بل يشكل بنية متجذرة تُعيد إنتاج نفسها عبر آليات غير رسمية، تتجاوز المؤسسات نحو شبكات النفوذ العائلي والقبلي.

1. الوجاهة كأداة لإعادة تشكيل السلوك الانتخابي :

تعتمد هذه النخبة على ما يمكن تسميته بـ” الرأسمال الرمزي “،حيث تتحول المكانة الاجتماعية والاعتبار القبلي إلى وسيلة لإعادة توجيه الفعل الانتخابي.

وبدل أن يكون التصويت تعبيراً عن تقييم البرامج والسياسات، يتحول إلى آلية لتجديد الولاء، بما يجعل المواطن أقرب إلى “فاعل تابع” منه إلى “مشارك واعٍ”.

2. مأسسة التوريث السياسي وإغلاق المجال التنافسي :

تتخذ هذه الظاهرة شكلاً أكثر تعقيداً مع بروز ما يمكن وصفه بـ”التوريث السياسي المؤسَّس”،حيث تتحول المواقع التمثيلية إلى امتداد للملكية العائلية.

هذا النمط يؤدي إلى انغلاق المجال السياسي أمام الكفاءات الصاعدة، ويحدّ من دينامية التداول، مما يُضعف إمكانات التجديد المؤسسي.

3. اقتصاد الهشاشة كآلية للضبط الاجتماعي :

من منظور الاقتصاد السياسي،يرتبط استمرار هذه النخبة بإدامة مستويات معينة من الهشاشة الاجتماعية. فالفقر وضعف الاستقلال الاقتصادي يشكلان بيئة مواتية لإعادة إنتاج التبعية، حيث يصبح الدعم الظرفي بديلاً عن السياسات العمومية المستدامة،ويُعاد تشكيل العلاقة بين المنتخب والمواطن على أساس الزبونية لا المواطنة.

تُسهم هذه البنية التقليدية في إبطاء وتيرة التنمية، ليس فقط عبر تعطيل التنافس، بل أيضاً عبر تكريس نمط من المشاركة السياسية منخفض الفعالية، ما يفسر جزئياً تنامي ظاهرة العزوف لدى الفئات الأكثر وعياً.

النخبة الرأسمالية..صعود منطق السوق داخل الحقل السياسي :

بموازاة النخبة التقليدية، برز نموذج آخر يتبنى مقاربة مغايرة، حيث يتم التعامل مع السياسة باعتبارها امتداداً للنشاط الاقتصادي، تُحكمه حسابات الربح والخسارة.

1. هيمنة الحسابات الرقمية وغياب التأطير الفكري :

تتسم هذه النخبة بتركيزها المكثف على ” الهندسة الانتخابية “، من خلال بناء تقديرات رقمية دقيقة للأصوات.

غير أن هذا الانشغال التقني يقابله فراغ واضح على مستوى الرؤية الفكرية، حيث تغيب التصورات الاستراتيجية المرتبطة بالتنمية أو العدالة المجالية.

2. الانفصال عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي :

تكشف الملاحظة الميدانية عن وجود فجوة بين هذه النخبة والواقع المعيشي للمواطنين.

فضعف الاحتكاك المباشر بمعاناة الأسر، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، ينعكس في إنتاج سياسات عمومية لا تستجيب للاحتياجات الفعلية،ما يكرس حالة من “اللاجدوى السياسية”.

3. التفوق في الضبط الانتخابي مقابل ضعف التدبير العمومي :

رغم امتلاك هذه النخبة لأدوات مالية وتنظيمية تمكّنها من الوصول إلى مواقع القرار، إلا أنها تُظهر محدودية في تدبير الشأن العام. فالكفاءة في إدارة الحملات لا تعني بالضرورة القدرة على صياغة وتنفيذ سياسات تنموية فعالة، وهو ما يخلق فجوة بين “النجاح الانتخابي” و”الفشل التنموي”.

4. استيراد الحلول وإهمال الخصوصيات المحلية :

تعتمد هذه الفئة على نماذج جاهزة في معالجة القضايا التنموية، دون مراعاة الخصوصيات السوسيواقتصادية للجهة.

هذا التوجه يُضعف فرص بناء حلول مستدامة، ويُهمّش الإمكانات المحلية التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية.

تُنتج هذه النخبة مفارقة واضحة: قوة انتخابية مدعومة بالموارد المالية، مقابل هشاشة على مستوى الرؤية التنموية، ما يجعل تأثيرها محدوداً في تحقيق تحولات بنيوية داخل الجهة.

أزمة بنيوية في تشكيل النخبة وأفق الإصلاح :

يكشف هذا التحليل عن أزمة مركبة في بنية النخبة السياسية بالجهة الشرقية، حيث تتقاطع آليات التوريث التقليدي مع منطق الاستثمار الرأسمالي،لتُفرز نموذجاً هجيناً يعاني من اختلالات عميقة.

وبين ولاءات الماضي وحسابات السوق،يغيب المشروع التنموي القادر على الاستجابة لتطلعات المواطن.

إن تجاوز هذه الوضعية يقتضي إعادة بناء الحقل السياسي على أسس التنافسية والشفافية،وتعزيز دور الكفاءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يسمح بانتقال فعلي من منطق التحكم في الأصوات إلى منطق إنتاج السياسات.

بقلم :أحمد لوكيلي – رئيس لجنة الإعلام والتواصل للشبكة المغربية لحقوق الإنسان والدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب بجهة الشرق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة