بين جدرانٍ تحكي قصص النسيان، وأبوابٍ تئنُّ تحت وطأة الصدأ، يعيش مستشفى “الفارابي” بوجدة وضعاً كارثياً تجاوز كل الخطوط الحمراء. لم يعد هذا المرفق العمومي مكاناً للتداوي، بل تحول إلى لوحة حزينة من الإهمال الذي يضرب عمق الكرامة الإنسانية، في صدمة قوية لكل من يطأ قدمه هذا “المحتجز” الطبي.
المشهد الأول من الداخل مرعب؛ جدران مهترئة سقطت صباغتها لتكشف عن وجه البؤس، وألوان متسخة تبعث على الاكتئاب لا التفاؤل بالشفاء. أما الأبواب المتآكلة، فكلما فُتحت أو أُغلقت، أصدرت أصواتاً مخيفة تقض مضجع المرضى، وكأن المستشفى تحول إلى مسرح لفيلم رعب لا نهاية له.
ولم يتوقف الأمر عند البناء، بل أصبح المستشفى مأوى قاراً للقطط الضالة ذات المظهر المخيف، التي تتجول في الممرات وكأنها صاحبة المكان. شجاراتها الليلية وأصواتها المزعجة أصبحت هي “الموسيقى” الوحيدة التي يسمعها المريض في غرفته، وسط غياب تام لشركات النظافة والتعقيم.
في قسم المستعجلات، حيث الثانية تساوي حياة، يصطدم المواطن بالواقع المر: غياب شبه تام للأطباء، وعدد لا يكفي لتغطية طوابير الوجع. وفي المقابل، تبرز ظاهرة تثير الاستياء؛ ممرضات يصببن جل اهتمامهن على “المكياج” والمظهر الشخصي داخل أوقات العمل، والتعامل مع المرضى بتعالٍ وكأنهن “طبيبات فوق القانون”، متناسين أن جوهر مهنتهن هو الرحمة والخدمة قبل كل شيء.
الغريب في الأمر، أن هذا الوضع “الفضيحة” يستمر رغم الزيارة الأخيرة لوزير الصحة للمؤسسة. فهل كانت الزيارة مجرد بروتوكول لذر الرماد في العيون؟ أين هي وعود الإصلاح؟ وما فائدة الزيارات الرسمية إذا كان المواطن الوجدي لا يلمس أثراً للتغيير على أرض الواقع؟
لقد بحت أصوات النقابيين داخل المستشفى وخارجه، نظموا الوقوفات، وصرخوا في وجه المسؤولين، وحذروا من “السكتة القلبية” لهذا المرفق، لكن لا حياة لمن تنادي. وكأن هناك إرادة خفية لإبقاء الوضع على ما هو عليه، ضاربين عرض الحائط بكل نداءات الاستغاثة.
إننا من هنا نرفع هذا النداء العاجل إلى السيد والي جهة الشرق، وإلى كل مسؤول غيور على هذه المدينة: إن المواطن الوجدي هو الضحية الأول والأخير في هذه الفوضى. إنقاذ “الفارابي” ليس ترفاً، بل هو واجب وطني وإنساني مستعجل.
فهل سيتحرك المسؤولون لترميم ما تبقى من كرامة المواطن؟ أم سننتظر فاجعة أكبر لتتحرك الضمائر؟




