في قلب إقليم فجيج، تقع “عين الشواطر”، نقطةٌ جغرافية تحكي قصة صراع مرير بين ماضٍ يحمل في طياته ذكريات جميلة وحاضرٍ مثقل بالتحديات والإهمال. يرى أهلها، بمرارة، أن ماضيهم كان أبهى وأفضل حالاً بكثير مما يعيشونه اليوم، وكأن عقارب الساعة قد توقفت عن المضي قدماً في سبيل التنمية والتقدم.
تتعدد وجوه المعاناة في عين الشواطر، فتبدأ بمعضلة وسائل التنقل والمواصلات التي تزيد من عزلتها وتصعّب على سكانها الوصول إلى الخدمات الأساسية. هي قرية لا تعرف معنى التنمية، فالمشاريع غائبة، والفرص منعدمة، مما يلقي بظلاله على كل جوانب الحياة. أما المؤسسات الشبابية، التي تعتبر القلب النابض لأي مجتمع حيوي، فهي غير موجودة، مما يحرم الشباب من فضاءات للابتكار والتعبير. ولا مكان للمهرجانات المحلية أو الوطنية التي يمكن أن تضفي حيوية على المنطقة وتعرف بها. كل هذا يضاف إلى المعاناة الأزلية من نقص الماء الصالح للشرب، وهي حاجة أساسية تتجاهلها الأيادي المسؤولة، ويجد السكان أنفسهم في مواجهة قاسية مع الطبيعة القاسية، بين الحرارة اللافحة ورياح العجاج التي تذرو معها آمالهم.
غياب المسؤولين، وفي مقدمتهم رئيس الجماعة، ليس مجرد غياب شكلي، بل هو انعكاس لواقع أليم يفتقر إلى القيادة والتوجيه. أما المجالس المنتخبة على مستوى الإقليم، فتبدو وكأنها في سبات عميق، غير مدركة لحجم المعاناة التي يعيشها أهالي عين الشواطر. وكما يقول المثل، “ما فاز إلا النيامو”، لكن الخاسر الأكبر هو هذا المركز وأهله الذين ينتظرون من ينهض بهم من هذا السبات.
هذا الواقع المرير دفع شبابها للهجرة، تاركين خلفهم قريتهم بحثاً عن فرص عمل وحياة كريمة في الأقاليم المجاورة، تاركين وراءهم الشيوخ الذين لا يملكون حولاً ولا قوة. هؤلاء الشيوخ هم “معمّرون” في هذه البقعة، يحملون على عاتقهم تاريخاً يروى ويُحكى للأجيال، تاريخاً يزخر بالعادات والتقاليد والثقافة الأصيلة، في محاولة للحفاظ على جذورهم وهويتهم في وجه رياح التغيير والإهمال.
ورغم كل هذه الظروف القاسية، تظل هناك بارقة أمل، شعاع نور ينير ليالي عين الشواطر: تلك الجلسات النسائية الروحانية التي تُحيي ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة. هذه التجمعات المباركة ليست مجرد طقس ديني، بل هي تجسيد للصمود والارتباط بالقيم الروحية التي تمنحهم القوة لمواجهة قسوة الحياة. إنها تجسد روح المقاومة الثقافية والدينية في وجه التهميش والإهمال، وتؤكد أن عين الشواطر، رغم كل جراحها، لم تفقد بعد نبضها الروحي.



