استيقظت ساكنة تجزئة “البستان” قرب أسواق السلام بمدينة وجدة، الأسبوع المنصرم، على وقع حادثة صادمة لم تكن متوقعة في ساعات مبكرة. لم يكن المشهد ضبابيًا كما هو الحال في بدايات الصباح، بل كان دمويًا وممزوجًا بصوت طلقات نارية متتالية اخترقت هدوء المنطقة.
تسبب إطلاق النار في حالة من الهلع والقلق العميق بين السكان، وخاصة بعدما استيقظوا على هذه الأصوات المريبة. وعندما تأكد السكان من مصدر الطلقات، كانت المفاجأة هي أن هذه الطلقات النارية صادرة عن أشخاص يرافقهم عناصر من السلطات المحلية، وكان الهدف المعلن هو “امتصاص الخطر” وحماية المواطنين عبر حملة إبادة للكلاب الضالة.
مرة أخرى تستبدل مدينة وجدة الحلول العلمية والرحيمة بالرصاص الحي لإنهاء مشكل الكلاب الضالة. مشاهد موجعة تتكرر، حيث تُغسل دماء الحيوانات بماء الشوارع في صمت، بينما يكتفي المسؤولون بالتبرير والإحالة على الخطر الذي تشكله هذه الكلاب على الساكنة.
لكن ما يثير حفيظة الشارع الوجدي والمدافعين عن حقوق الحيوان هو التناقض الصارخ بين هذا السلوك وشريعة الرفق بالحيوان من جهة، وبين الالتزامات الرسمية للدولة من جهة أخرى.
السؤال الأهم والأكثر إلحاحًا الذي يطرحه المهتمون اليوم هو: أين ذهبت ملايين الدراهم التي خصصت لمشاريع التعقيم والتلقيح؟
فمنذ سنة 2019، تم توقيع اتفاقية رسمية ومُلزمة بين وزارة الداخلية ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات والجمعيات المدافعة عن الرفق بالحيوان. هذه الاتفاقية تمنع بشكل قاطع اعتماد أسلوب القتل وتدعو إلى تطبيق برامج “TNR” (التقاط – تعقيم – تطعيم – إطلاق)، وهي الحلول العلمية والإنسانية المعمول بها عالميًا للتحكم في أعداد الكلاب الضالة.
إصرار الجماعات المحلية على الاستمرار في سياسة القتل المأساوية، رغم وجود هذا الإطار التعاقدي والقانوني الذي يدعو للحلول البديلة والرحيمة، يضعها في موقف حرج أمام الرأي العام، ويشير إلى فشل ذريع في تدبير هذا الملف، أو سوء استخدام للميزانيات المخصصة للحلول المستدامة.برغم المجهود المبذول من طرف المجلس الاقليمي الذي تكلف في بناء مرئب الكلاب والقطط الظالة التي لم ترى النور بعد
إن مأساة قتل الكلاب الضالة بوجدة تعكس أزمة تدبير وأزمة قيم. إنها لحظة يتم فيها استبدال الاستراتيجية والتخطيط بـ “سهولة” الرصاص. التدبير الحقيقي لا يجب أن يكون بالإبادة، بل بالالتزام بالاتفاقيات الرسمية وتفعيل برامج التعقيم والتلقيح التي تحترم الكائن الحي، وتضمن في الوقت نفسه سلامة المواطنين بطريقة حضارية ومستدامة.
المطلوب اليوم ليس التبرير، بل الكشف عن مصير الأموال المخصصة للحلول البديلة، والتطبيق الفوري للاتفاقية الوطنية لوقف هذا النزيف الدموي وإعادة وجدة إلى مصاف المدن التي تحترم شريعة الرفق بالحيوان في تدبيرها لملف يمس الأمن الصحي والوجدان الإنساني للمواطن.




