بين معاناة يومية لا تنتهي، وأحلام مؤجلة تنتظر دورها في قائمة طويلة من التنازلات، يخرج مشروع “شبكة العنكبوت” إلى النور. ليس كورشة عمل عابرة، ولا كمبادرة خيرية موسمية، بل كطوق نجاة حقيقي لأطفال السكري وعائلاتهم الذين أنهكهم الصمت الطويل.

في مدينة وجدة الشرقية، وتحت سقف مؤسسة أصدقاء فكيك، كان الموعد مع لحظة استثنائية. لم يكن تجمعاً عادياً تعلن فيه أرقام وإحصائيات، بل كان ميلاداً لرؤية جديدة ولدت من رحم الألم الصامت لأمهات وآباء ظلوا سنوات وهم لا يذوقون طعم النوم الهادئ، خوفاً على أطفالهم من نوبات سكري غادرة.

“المشروع ثمرة ألم يومي عاشته الأسر منذ 2018”
بهذه الكلمات، وبصوت لا يخلو من انفعال الأم التي ترى بعينيها معركة طفلها الصامت، افتتحت السيدة نصيرة بنيوال، رئيسة المنظمة المغربية لأصدقاء مرضى السكري للتوعية والتدبير، كلمتها أمام الحضور.
لم تكن تتحدث بلغة الأرقام الباردة، بل بلغة إنسانية خالصة. لغة أم رأت كيف يحارب طفل صغير مرضه دون أن يفهم لماذا يُستثنى من قطعة حلوى، وكيف تتعب أسرة بأكملها في «رحلة مواكبة لا تنتهي»، كما وصفتها.
الاسم لم يأت صدفة. فكما تنسج العنكبوت بيتها بخيوط متينة، متشابكة، لا تقهر، يسعى المشروع إلى بناء شبكة شاملة تحيط بالطفل المريض من كل اتجاه: طبياً، نفسياً، اجتماعياً، وتكنولوجياً.

ما يميز هذه المبادرة أنها لا تقدم حلولاً ترقيعية أو مناسباتية، بل تضع أسساً لاستراتيجية طموحة تضع الطفل في القلب، وتجعل من الكرامة والأمل حقاً، لا منة من أحد.

“الرهان الحقيقي ليس بناء مركز فقط، بل بناء نموذج إنساني يعيد للطفل المريض حقه في مستقبل طبيعي”، أوضحت بنيوال، وكأنها ترسم خارطة طريق لدولة اجتماعية ناشئة، لا تترك أحداً خلفها.
والمفاجئ أن المنظمة كانت تسبق عصرها بسنوات. فقبل أن يفرض “كوفيد-19” الواقع الجديد على العالم، كانت المنظمة قد نظمت ندوات دولية عن بعد، وأطلقت تحديات تكنولوجية مبتكرة، إيماناً منها بأن التكنولوجيا لم تعد ترفاً، بل ضرورة حياة لكل طفل سكري لا يمكنه تحمل ثمن جهاز قياس السكر المستمر.
اللحظة الأجمل في ذلك اليوم جاءت عندما تحول الحلم إلى تعهد جماعي. وقف رؤساء جمعيات، وأمهات، وآباء، وحتى شخصيات إفريقية مقيمة بالمغرب، ليوقعوا رسمياً على وثيقة تأييد المشروع.

لم تكن توقيعات شكلية على ورق، بل كانت رسالة مدوية بالمعنى السياسي والإنساني: “هذا المشروع يخصنا جميعاً، وحلم أطفال السكري مسئولية الجميع”.
الحضور الإفريقي كان ملفتاً، وكأن القارة بدأت تلتفت نحو نموذج مغربي يمكن استنساخه في دول تعاني من الأمراض المزمنة حيث مفهوم “الدولة الاجتماعية” ما زال بحثاً عن ترجمة حقيقية على الأرض.
لا يزال المشروع في مرحلة التشاور والتصور الأولي، والمنظمة لا تريد أن تحل مكان الدولة، بل تقدم نفسها كقوة اقتراحية وشريك مدني صادق. الخطوة القادمة: فتح نقاش مؤسساتي جاد مع القطاعات المعنية، لتحويل هذه الرؤية إلى ورش حقيقية في أقرب وقت.
في النهاية، خلف كل توقيع، وكل تصفيق، وكل كلمة مؤثرة، كان هناك طفل ينتظر. طفل لا يعرف معنى الأسهم أو المؤتمرات، لكنه يعرف جيداً معنى الوخز اليومي بالإبر، معنى الحرمان من قطعة شوكولاتة، معنى أن يشعر أنه مختلف عن أقرانه.
مشروع “شبكة العنكبوت” ليس مجرد ورش عادي ضمن أوراش الدولة الاجتماعية، بل هو نبض إنساني حقيقي يثبت أن المغرب الجديد يضع الإنسان أولاً، وأن خيوط الأمل حين تتشابك بإرادة صادقة، يمكنها أن تنسج بيتاً دافئاً لكل طفل يحلم بغد أجمل.
الأنباء 24 العربية الكندية بواسطة المراسل عزيز كروج




