في مشهد يتكرر تقريبا كل صباح في بعض مقاطعات مدينة وجدة، يقف العشرات من المواطنين طوابير طويلة أمام أبواب مغلقة، ينتظرون ساعات تحت أشعة الشمس أو في بهو بارد، على أمل إنهاء معاملة إدارية بسيطة، كالحصول على وثيقة شخصية أو تصحيح وضعية إدارية.
لكن المفاجأة أن ساعة الانطلاق الرسمية للعمل تمر، دون أن تفتح الأبواب، ليعلم المواطن لاحقاً أن الموظفين والمسؤولين مشغولون بـ”اجتماعات داخلية” تعقد في بداية الوقت المخصص لاستقبال المرتفقين، أو في وسطه، مما يضاعف زمن الانتظار ويحول رحلة المواطن إلى ملحمة من الإرهاق والضياع
يتساءل المواطن بمرارة: هل من القانوني أن تُعقد الاجتماعات الإدارية على حساب الوقت المخصص لاستقبال المواطنين؟ وإذا كان الاجتماع ضرورياً، فلماذا لا يُبرمج خارج أوقات العمل الرسمي، أو في فترات لا تمس حق المواطن في الخدمة؟
هذا السلوك، وإن كان قد يُبرر أحياناً بظروف العمل، يظل – في نظر المرتفقين – تجاوزاً واضحاً لروح القانون، وإهداراً لوقت المواطن الذي اضطر لترك عمله أو التضحية براحته من أجل قضاء حاجة قد لا تستغرق أكثر من دقائق
في ظل هذه الممارسات، يبدو الخطاب الملكي السامي الذي يوصي باستمرار بـ”تقريب الإدارة من المواطن” و”تخفيف المساطر” بعيداً عن أرض الواقع. فكيف يتقرب الموظف من المواطن وهو يغلقه في الدهاليز بينما ينشغل هو بمحادثات داخلية؟
إن المواطن لا يطلب منفعة، بل يطلب حقاً كفله القانون، ويبحث عن مؤسسة تحترم وقته، وتجعل من خدمته أولوية لا تأجيلاً.
ما يزيد الطين بلة هو أن التأخير في بداية العمل، والانشغال بالاجتماعات، غالباً ما يكون مقدمة لتصادم حاد بين المواطن والموظف. فبعد انتظار طويل، يفاجأ المواطن بأن الوثيقة لم تنجز، أو أنه يحتاج إلى العودة مرة أخرى، ليدخل في متاهة البيروقراطية التي لا تنتهي.
والأسوأ من ذلك أن بعض المكاتب تتحول إلى ساحات توتر، حيث يتحمل المواطن وحده ضغط الانتظار، ويكون عرضة للعنف اللفظي أو الإداري، لمجرد أنه طلب حقه أو تساءل عن سبب التأخير.
إن استمرار هذه الممارسات في بعض مقاطعات وجدة لم يعد ممكناً، خصوصاً أن المدخل الرئيسي للإصلاح يظل في يد الجهات الوصية والسلطات المحلية، التي ينتظر منها تدخل عاجل لمراقبة احترام موظفي القطاع لمواعيد عملهم، وضمان أن تكون الاجتماعات خارج أوقات الاستقبال.
كما أن تفعيل آليات التقييم والمتابعة اليومية للموظفين، وربط الحوافز بالانضباط وجودة الخدمة، بات ضرورة ملحة لاستعادة الثقة بين الإدارة والمواطن.
ما يطمح إليه المواطنون البسطاء في وجدة هو أن يجدوا إدارة تبدأ عملها في الوقت المحدد، وموظفاً يدرك أن “رشيد” أو “فاطمة” اللذين يقفان خلف الشباك ليسا مجرد معاملة، بل هما أب وأم عائلة، ينتظران وثيقة قد تؤثر في استقرارهما المعيشي أو مستقبل أبنائهما.
كفى للاجتماعات في وقت الاستقبال، وحان الوقت لتكون هناك متابعة صارمة، ولمساءلة كل مقصر يضع العراقيل بدل تقديم التسهيلات.
إن إصلاح الإدارة يبدأ من احترام أبسط حقوق المواطن: حقّه في وقت لا يُضيع، وحقه في معاملة لا تجرح كرامته. فإلى متى سيبقى المواطن رهينة انتظار لا ينتهي؟
منبر الأنباء 24 بواسطة المراسل عزيز كروج.




